ابن تيمية

163

مجموعة الرسائل والمسائل

فأجاب رضي الله عنه : الحمد لله ، من قال : أن الكلام غير المتكلم والقول غير القائل وأراد أنه مباين له منفصل عنه فهذا خطأ وضلال ، وهو قول من يقول أن القرآن مخلوق فإنهم يزعمون أن الله لا يقوم به صفة من الصفات لا القرآن ولا غيره ، ويوهمون الناس بقولهم العلم غير العالم والقدرة غير القادر والكلام غير المتكلم ، ثم يقولون : وما كان غير الله فهو مخلوق وهذا تلبيس منهم . فإن لفظ الغير يراد به ما يجوز مباينته للآخر ومفارقته له ، وعلى هذا فلا يجوز أن يقال علم الله غيره ، ولا يقال أن الواحد من العشرة غيرها ، وأمثال ذلك ، وقد يراد بلفظ الغير ما ليس هو الآخر ، وعلى هذا فتكون الصفة غير الموصوف لكن على هذا المعنى لا يكون ما هو غير ذات الله الموصوفة بصفاته مخلوقاً ، لأن صفاته ليست هي الذات لكن قائمة بالذات ، والله سبحانه وتعالى هو الذات المقدسة الموصوفة بصفات كماله ، وليس الاسم اسماً لذات لا فات ها بل يمتنع وجود ذات لا صفات لها . والصواب في مثل هذا أن يقال الكلام صفة المتكلم ، والقول صفة القائل ، وكلام الله ليس منه بل أسمعه لجبريل ونزل به على محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى " والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " ولا يجوز أن يقال أن كلام الله فارق ذاته وانتقل إلى غيره ، بل يقال كما قال السلف : أنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ، فقولهم منه بدأ رد على من قال : أنه مخلوق في بعض الأجسام ومن ذلك المخلوق ابتدأ ، فبينوا أن الله هو المتكلم به ، ومنه بدأ ، لا من بعض المخلوقات ، وإليه يعود أي فلا يبقى في الصدور منه آية ولا في المصاحف حرف ، وأما القرآن فهو كلام الله . فمن قال أن القرآن الذي هو كلام الله غير الله فخطؤه وتلبيسه كخطأ من قال أن الكلام غير المتكلم ، وكذلك من قال أن كلام الله له مقروء غير القرآن الذي تكلم به فخطؤه